ابن قتيبة الدينوري

58

الإمامة والسياسة ( بيروت )

فلما سمع القوم إقبال أهل الشام ، قاموا فألهبوا النار بباب عثمان ، فلما نظر أهل الدار إلى النار ، نصبوا للقتال وتهيئوا ، فكره ذلك عثمان وقال : لا أريد أن تهراق فيّ محجمة دم ، وقال لجميع من في الدار : أنتم في حل من بيعتي ، لا أحب أن يقتل فيّ أحد ، 63 وكان فيهم عبد اللَّه بن عمر ، فقال : يا أمير المؤمنين ، مع من تأمرني أن أكون إن غلب هؤلاء القوم عليك ؟ قال : عليك بلزوم الجماعة . قلت : فإن كانت الجماعة هي التي تغلب عليك ؟ قال : عليك بلزوم الجماعة حيث كانت . قال : ثم دخل عليه الحسن بن علي ، فقال : مرني بما شئت ، فإنّي طوع يديك . فقال له عثمان : ارجع يا بن أخي ، اجلس في بيتك حتى يأتي اللَّه بأمره . ثم دخل عليه أبو هريرة متقلدا سيفه ، فقال : طاب الضراب يا أمير المؤمنين ، قد قتلوا منا رجلا ، وقد ألهبوا النار ، فقال عثمان : عزمت عليك يا أبا هريرة إلا ألقيت سيفك ، قال أبو هريرة : فألقيته فلا أدري من أخذه . قال : ودخل المغيرة بن شعبة ، فقال له : يا أمير المؤمنين إن هؤلاء قد اجتمعوا عليك ، فإن أحببت فالحق بمكة ، وإن أحببت أن نخرق لك بابا من الدار فتلحق بالشام ففيها معاوية وأنصارك من أهل الشام ، وإن أبيت فأخرج ونخرج ، ونحاكم القوم إلى اللَّه تعالى . فقال عثمان : أما ما ذكرت من الخروج إلى مكة ، فإنّي سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يقول : يلحد بمكة رجل من قريش ، عليه نصف عذاب هذه الأمة من الإنس والجن ، فلن أكون ذلك الرجل إن شاء اللَّه ، وأما ما ذكرت من الخروج إلى الشام ، فإن المدينة دار هجرتي ، وجوار قبر النبي عليه الصلاة والسلام ، فلا حاجة لي في الخروج من دار هجرتي ، وأما ما ذكرت من محاكمة هؤلاء القوم إلى اللَّه ، فلن أكون أول من خلف رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم في أمته بإهراق الدم . رؤية عثمان أبا بكر وعمر في المنام ثم قال : إني رأيت أبا بكر وعمر أتياني الليلة فقالا لي : صم فإنك مفطر عندنا الليلة [ ( 1 ) ] . وإني أصبحت صائما ، وإني أعزم على من كان يؤمن باللَّه واليوم

--> [ ( ) ] مغبة قتل الخليفة ، فاتهموه وأهانوه فدخل على عثمان يخبره ما جرى معه فاضطرب عثمان ولم يدر ما يصنع ( الفتوح لابن الأعثم 2 / 223 ) . [ ( 1 ) ] رواه ابن كثير في البداية والنهاية 7 / 204 من طرق عديدة .